نصر حامد أبو زيد

47

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

المدارك البشرية اختصت بالسمع وصعب ما سواه . وعندما يتكرر الوحي ويكثر التلقي يسهل ذلك الاتصال ، فعند ما يعرج إلى المدارك البشرية يأتي على جميعها وخصوصا الأوضح منها وهو ادراك البصر . وفي العبارة عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي وفي الثانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة وهي أن الكلام جاء مجيء التمثيل لحالتي الوحي ، فمثّل الحالة الأولى بالدوي الذي هو في المتعارف غير كلام وأخبر أن الفهم والوعي يتبعه غبّ انقضائه . فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع . ومثّل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطب ويتكلم والكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضي للتجدد « 1 » . هذه التفرقة بين حالتي الوحي - وحالتي التحول المشار اليهما عند علماء القرآن - يمكن أن تكون تفرقة بين النصين الدينيين : القرآن والسنة . وفي تحليل ابن خلدون افتراض ضمني بأن حالة التحول من البشرية إلى الملكية ، أي التحول من جانب محمد ، تنفي الاتصال اللّغوي حيث يكون التلقي رمزا من الكلام - عبر عنه في الحديث بالدوي - يتلقى من خلاله النبي المعنى الذي يصوغه هو بعد ذلك لابلاغه . في هذه الحالة يكون اعتماد الاتصال على حاسة « السمع » دون « الرؤية » . وعلى ذلك يكون الاتصال في هذه الحالة قريبا من حالة « الالهام » لكنه الهام يستلزم درجة هائلة من التركيز المرهق : واعلم أن في حالة الوحي كلها صعوبة على الجملة وشدة قد أشار إليها القرآن ، قال تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ، وقالت عائشة : كان مما يعاني من التنزيل شدة ، وقالت كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وانّ جبينه ليتفصد عرقا . ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف . . . وهذا هو معنى الغطّ الذي عبّر به في مبدأ الوحي في قوله فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ وكذا ثانية وثالثة كما في الحديث « 2 » . والحالة الثانية هي الحالة التي يتحول فيها الملك إلى الصورة البشرية ، فيكون الاتصال بالكلام العادي ، بالنظام اللغوي البشري الخاص بالمستقبل ، ولذلك يكون الوعي « مساوقا » للكلام على حد تعبير ابن خلدون ، على حين يكون الوعي بالدلالة في الحالة الأولى تاليا لعملية الاتصال . إن تحليل ابن خلدون وتمييزه بين هاتين الحالتين من حالات الوحي يستند أيضا إلى النص ، ولذلك استطاع من خلال تحليل استخدام صيغة الفعل الماضي في حالة التحول من جانب النبي أن يؤكد على طبيعة الاتصال في هذه الحالة بوصفه اتصالا غير

--> ( 1 ) المقدمة ، ص 98 - 99 . ( 2 ) المقدمة ، ص 99 .